التهاب الكبد المحدث بالدواء

من موسوعة العلوم العربية
مراجعة 11:35، 1 أغسطس 2012 بواسطة سلام المجذوب (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب''''التهاب الكبد المحدث بالدواء drug-induced hepatitis''' يعرف التهاب الكبد المحدث بالأدوية أيضاً بتسمم ال...')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

التهاب الكبد المحدث بالدواء drug-induced hepatitis


يعرف التهاب الكبد المحدث بالأدوية أيضاً بتسمم الكبد hepatoxicity، وهو يشير للإصابة الكبدية المسببة بالأدوية أو العوامل الكيميائية الأخرى ويمثل نمطاً خاصاً من التفاعلات الضائرة. تدعى هذه الحالة بعدة تسميات، لكن المصطلح الذي يفضله حالياً الخبراء هو الإصابة الكبدية المحدثة بالدواء drug-induced liver injury (DILI)؛ وهذا هو المصطلح الذي سيستخدم في هذه المقالة. بالإضافة ستستعمل المصطلحات الجنيسة "أدوية" ليشمل كامل مجال العوامل الضارة المحتملة، وتدعى أيضاً بذيفانات الكبد hepatoxins. يعد الـDILI الشديد مرضاً مهدداً للحياة، لكن عديد من المرضى الذين يعانون من DILI خفيف يكونون عديمي الأعراض ولا يسبب المرض مشاكل كبدية غالباً. وعند تشخيص هذا المرض تتضمن المعالجة المعيارية الإيقاف الفوري للدواء المتورّط وتجنّبه. في الإصابة الكبدية المحدثة بالدواء الخفيفة إلى المتوسطة يعد هذا الإجراء كافياً لزوال جميع علامات وأعراض الإصابة الكبدية. تكمن المشكلة في أن الأدوية المتاحة بوصفة والمتاحة دون وصفة والتي يصل عددها لقرابة الألف عديد منها مشتبه بالتسبب بالإصابة الكبدية، والتي قد تكون شديدة وحتى مهددة للحياة. ويتورط في ذلك أيضاً الأدوية العشبية والأدوية المتممة والبديلة الأخرى، وكذلك الأدوية غير المشروعة مثل الستيروئيدات الابتنائية والأمفيتامينات. يمكن أن تصنف الـDILI بعدة طرق اعتماداً على السمات السريرية، والطراز المرافق للكيمياء الحيوية للكبد – غالباً يدعى "اختبارات وظيفة الكبد liver function tests" أو “LFTs” ، والتغيرات الملاحظة تحت المجهر عند فحص خزعة الكبد، والآليات المرضية المشتبهة المستبطنة في تطور حدوث ال (DILI).

يقدر البعض بأن 5% من التهابات الكبد الحادة تنجم عن تناول الأدوية أو المواد الكيماوية. كما بينت الدراسات الفرنسية أن 10 % من التهابات الكبد الحادة الشديدة التي استدعت دخول المرضى الى المستشفيات كان سببها الأدوية. وهناك اختلاف كبير جدا في نسبة حدوث الأذية الكبدية بعد تناول الأدوية المؤذية للكبد: تبلغ نسبة حدوث الأذية الكبدية عند من يعالجون بالايزونيازيد 2% بينما تنخفض هذه النسبة الى 10 لكل مليون عند من يستخدم مضادات الالتهاب الغير ستيرويدية. كثيرا ما يؤدي استعمال الأدوية الى اضطراب خفيف في أنزيمات الكبد ويتجلى ذلك بارتفاع البيلوربين والغاما غلوتاميل ترانسببتيدازγGT أو الفوسفاتاز القلوية (AlP) ولا يدل على حدوث أذى مهم في وظيفة الكبد.. حيث تعد هذه التبدلات بارتكاس التكيف (Adaptive reaction).

العوامل المؤهبة (المساعدة) على حدوث الأذية الكبدية

يتعرض بعض فئات المرضى أكثر من غيرهم لحدوث أذية كبدية بعد تناول الأدية

  1. العمر

من الملاحظ بأن الكهول أكثر عرضة للإصابة بالأذية الكبدية الدوائية من الأطفال. كما أن التقدم بالعمر يزيد من شدة الإصابة. كما يرتفع حدوث الأذية عند الشيوخ وربما كان ذلك بسبب كثرة استهلاكهم للأدية.


  1. الجنس

يعد عامل الجنس عاملا آخر مؤهبا.. حيث إن النساء أكثر عرضة بشكل واضح للإصابة بأذية كبدية بعد التعرض للعديد من الأدوية التي يعرف عنها تأثيرها السيئ للكبد.

الأشكال السريرية للإصابة الكبدية الدوائية

  • شكل التهاب كبد حاد:

يشبه الى حد كبير التهاب الكبد الفيروسي حيث أن الأعراض والعلامات السريرية بالإضافة الى تبدلات مخبرية تشير الى أذية كبدية. ومن الأدوية التي تسبب التهاب كبد حاد دوائي المنشأ..الهالوتان (غاز يستخدم في التخدير) – الايزونيازيد (دواء يستخدم في علاج التدرن(السل)) – الميتيل دوبا (دواء يستخدم في علاج ارتفاع الضغط).

  • شكل ركودي صفراوي:

يترافق بأعراض وعلامات سريرية تشبه الركودة الصفراوية مثل حكة ويرقان

  • وهناك شكل ثالث يجمع الشكلين الأول والثاني.

الدواء والتهاب الكبد

بعض الأدوية الشائعة التي تسبب أذية كبدية

الباراسيتامول (البنادول)

بسبب نخر شديد في الفص الكبدي عندما يؤخذ بجرعات عالية جدا. تظهر الأعرض المرضية بعد تناول 15 الى20 حبة (7.5-10 غرام) دفعه واحدة. المقدار القاتل هو تناول 50 حبة (25 غرام) دفعه واحدة. تبدأ الأعرض بالغثيان (اللوعة)- والاقياء والاسهال والألم البطني والصدمة Shock ثم وبعد 24-48 ساعة يظهر اليرقان وضخامة مؤلمة للكبد ويرتفع AST-ALTويتطاول زمن PT وينخفض سكر الدم. تبلغ الأعراض شدتها القصوى بعد 4-6 أيام. قد ينتهي الأمر بحدوث الوفاة نتيجة القصور الكبدي الحاد. تبلغ نسبة الوفيات 3,5% من الحالات التي تتناول جرعات عالية من البانادول دفعه واحده.

تتضمن المعالجة: غسل المعدة واعطاء الكوليسترامين لمنع امتصاص الدواء في الساعات الأولى التالية لتناول الدواء. يعطى أيضا N.Acetyl Cysteineخلال الساعات ال 16 الأولى يخفف من شدة الأعراض الكبدية والجرعة الدوائية هنا 300 ملغ/كغ . إذا لم تنته الحالة بالوفاة خلال 24 ساعة الأولى فإن الكبد يعود الى حالته السوية السابقة للتسمم.

الهالوتان

يسبب التعرض للهالوتان في بعض الحالات النادرة نخر كبدي خاصة عند الأشخاص الذين سبق لهم التعرض له. وقد تحدث الحمى وترتفع الكريات البيض مع زيادة الحمضات في الأسبوع الأول التالي للتعرض. ثم يظهر اليرقان بعد 7-10 أيام ويترافق بضخامة خفيفة ومؤلمة في الكبد ويرتفع AST-ALT يشبه المظهر النسيجي للكبد ما يشاهد في نخر الكبد الجسيم التالي لاتهاب الكبد الفيروسي. نسبة الوفيات في الحالات الوخيمة المترفقة باليرقان مرتفعة (20-40%) من الحالات.

ميتيل دوبا

تحدث اضطرابات طفيفة في اختبارات وظيفة الكبد عند حوالي5% من الأشخاص الذين يتناولون ميتل دوبا لمعالجة ارتفاع الضغط الشرياني. إلا أن هذه الاضطرابات تتراجع على الرغم من الاستمرار في المعالجة بهذا الدواء. تظهر أعراض كبدية عند أقل من 1% من المرضى وتأخذ شكل التهاب كبد حاد فيروسي أو شكل التهاب كبد مزمن فعال أو شكل ركودة صفراوية في بعض الحالات النادرة. ببدأ ظهور الأعراض بعد 1-2 اسبوع من بدء المعالجة وقد تسبقها مرحلة من قلة الشهية والحمى والتوعك وتستمر عدة أيام يتلوها يرقان. تتراجع الأعراض بعد ايقاف الدواء.

موانع الحمل الفموية

يؤدي استعمال مانعات الحمل الحاوي على الاستروجين والبروجسترون الى احتباس واضح في البروم سلفونفتال في نسبة كبيرة من المرضى وفي بعض الحالات ارتفاع الفوسفاتاز القلوية. قد تظهر وبشكل نادر علامات ركودة صفراوية حكة ويرقان خصوصا عند المريضات اللواتي يوجد في سوابقهن المرضية أعراض يرقان حملي ناكس أو حكة حملية شديدة. تكشف بالخزعة. تتراجع الحالة بعد ايقاف الدواء.


اختبارات وظائف الكبد (LFTs)

  • ناقلات الأمين Aminotransferases: تتضمن ناقلة أمين الآلانين (ALT) وناقلة أمين الأسبارتات (AST)؛ وهي إنزيمات تتحرر من الخلايا الكبدية hepatocytes استجابة للإصابة الكبدية أو التهاب الخلايا الكبدية.
  • الفسفاتاز القلوية Alkaline phosphatase (AP): هي إنزيم يصنّع ويحرر من خلايا القناة الصفراء (الظهارة الصفراوية).
  • الألبومين Albumin: بروتين مصلي رئيسي ينتج من قبل الكبد؛ وعند الضرر أو الخلل الكبدي تهبط تراكيزه المصلية.
  • زمن البروثرومبين Prothrombin time (PT): هو قياس لزمن تخثر الدم والذي يعتمد على بروتينات عديدة (عوامل التخثر) والتي ينتجها الكبد؛ ومع الضرر والخلل الكبدي ينخفض تركيز هذه البروتينات، فيأخذ الدم زمناً أطول للتخثر ويصبح زمن الـPT أطول. (تعتبر النسبة الدولية (INR) قياساً معيارياً للـPT ذو اختلاف أقل عموماً بين المختبرات.)

أحد التقسيمات الواسعة للـDILI يقسم الأدوية إلى ذيفانات كبد إلى "متوقعة" و"غير متوقعة". تسبب الذيفانات الكبد المتوقعة مثل الـacetaminophen (Tylenol®) إصابة كبدية معتمدة على الجرعة. ذلك يعني أن أي شخص يأخذ كمية كافية من الـacetaminophen ستتطوّر لديه إصابة كبدية شديدة، ومن المحتمل فشل كبدي حاد. وبالتأكيد يعد التسمم بالـacetaminophen الآن سبباً منفرداً رئيسياً للفشل الكبدي الحاد المهدد للحياة في الولايات المتحدة وأوروبا. وبعكس الـacetaminophen، معظم الأدوية الأخرى التي تسبب DILI تقوم بهذا التأثير بأسلوب غير متوقع أو ما يدعى بذاتي التحساس idiosyncratic. جاءت كلمة "تحساس ذاتي idiosyncrasy" من الكلمة اللاتينية (idios أي "الذاتي" وsun-krasis أي "مزيج") وتشير إلى السمات المميزة للأشخاص. يسبب الدواء ذاتي التحساس الإصابة الكبدية لدى ندرة من الأفراد نتيجة لصفات جينية وبيئية مميزة لدى هؤلاء الأفراد. وبعكس الإصابة الكبدية بسبب ذيفانات الكبد المتوقعة، تميل التفاعلات ذاتية التحساس إلى أن تكون صعبة أو مستحيلة التوقع وهي غالباً غير معتمدة على الجرعة. تصنّف الـDILI أيضاً حسب طراز الإصابة الكبدية الملاحظة. حيث يوجد طرازان رئيسيان. "الإصابة الخلوية الكبدية hepatocellular injury" الحادة هي ناتجة عن إصابة الخلايا الكبدية بالمقام الأول وتتميز بارتفاع مستويات ناقلة أمين الآلانين المصلية ، مع ارتفاع أصغري للفسفاتاز القلوية المصلية. وقد تتطور الإصابة الخلوية الكبدية إلى قصور كبدي حاد مع خلل في التخليق الكبدي (يتميّز بزيادة الزمن المطلوب لتخثر الدم [زمن البروثرومبين]) وخلل دماغي (اعتلال دماغي كبدي hepatic encephalopathy)، وهذه الحالة تحمل إنذاراً ضعيفاً جداً وغالباً تتطلب زرع الكبد للنجاة. الطراز الثاني هو "إصابة الركود الصفراوي cholestatic injury" وحدث بسبب إصابة كبدية تؤثر إما في الخلايا المبطّنة للأقنية الصفراوي bile ducts أو الآليات الجزيئية التي تتدخل في جريان البيليروبين من الدم إلى الصفراء. وتتميز الإصابة بارتفاع مستويات الفسفاتاز القلوية غير متناسب، وهو إنزيم يصنّع ويحرر من الأقنية الصفراوية المصابة. نادراً ما تسبب الإصابة الكبدية الشديدة بالركود الصفراوي الوفاة لكن قد تتميّز بحكة pruritus شديدة مزعجة وطويلة الأمد ويرقان. لكن أحياناً قد تتطور إلى إصابة قناة صفراوية دائمة والتي تدعى بمتلازمة القناة الصفراوية المضمحلّة vanishing bile duct syndrome. تدعى الإصابة الكبدية التي تمتلك سمات خلوية كبدية وركود صفراوي "بالإصابة الكبدية المختلطة mixed liver injury". ومن الملاحظ أن ارتفاع البيليروبين المصلي يحدث بالأشكال الثلاث من الإصابة الكبدية – الخلوية الكبدية والركود الصفراوي والمختلطة – ويشير إلى إصابة كبدية أكثر شدة. في سياق التجارب السريرية، قد يساعد اكتشاف إصابة كبدية خفيفة والتي قد تعد إنذار لمشكلة لدى الدواء، وتعرّف تقليدياً بارتفاع مستوى ناقلة أمين الآلانين (ALT) لأكثر من ثلاثة أضعاف الحد الأعلى الطبيعي، أو ارتفاع مستوى البيليروبين الكلي total bilirubin (TB) لكثر من ضعف الحد الأعلى الطبيعي إن رافقه أي ارتفاع إما للـALT أو الـALP.

أهمية الـDILI

من الواضح أن مشكلة الـDILI هامة لدى كل من المرضى والأطباء والصناعة الصيدلانية؛ فأهميتها من المحتمل أن تزداد مع استعمال مزيد من الأدوية للوقاية وعلاج الأمراض في المستقبل.

  • من البديهي أن الـDILI هامة للأفراد المصابين وعائلاتهم لأن الـDILI الشديدة هي مرض كارثي ومهدد للحياة. ومن العواقب غير المقدّرة لدى المرضى هي أنها قد تمنع أيضاً بطريقة أخرى أدوية واعدة من دخول السوق، أو تؤدي لسحبها من السوق ، لذلك تؤثر في السكان جميعاً.
  • تعد الـDILI هامة لدى الطبيب لأنها تمثل تأثيراً جانبياً غير مقصوداً وغالباً شديداً للمعالجة وذلك يعارض أحد أسس العقيدة – Primum non nocere (أولاً لا تسبب أذى). وبدرجة أقل يهتم الأطباء بالـDILI لأن المرضى المتأثرين وعائلاتهم ومحاميهم قد يعتبروا الـDILI خطأً فادحاً، واعتداءً شخصياً وخيانة، وبذلك قد يكون للـDILI عواقب قانونية خطيرة.
  • إن الـDILI ذات أهمية كبيرة في الصناعة الصيدلانية لأنها من الأسباب الرئيسية لسحب الأدوية من الأسواق. فمن بين 548 دواءً صادقت عليه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بين عامي 1975 و 1999، 10 أدوية وضع لها تحذيرات "بإطار أسود black box" لاحتمالية تسببها بإصابة كبدية. وسحبت أربعة أدوية إضافية من السوق. وكما نوقش أدناه، لا يمكن تمييز الـDILI غالباً بشكل كامل حتى دخول الدواء إلى الأسواق وتعرّض الآلاف من الناس للدواء، وذلك يعني أن تكاليف هائلة أنفقت على الاختبارات قبل السريرية والسريرية للدواء والتسويق قد تصبح عرضة للخطر عندما يرافق الدواء DILI. هذه الخسارات المالية الكبيرة مجموعة مع الخطر القانوني المرافق قد تكون مدمّرة مالياً للشركات الصيدلانية المتورّطة.

أسباب الـDILI

إن تطوّر الـDILI في معظم الحالات غير مفهوم تماماً، وبعيداً عن آلية تأثيرها في الجسم، ليس من المستغرب أن الكبد هو عرضة للإصابة بالأدوية. عملياً جميع الأعضاء داخل البطن تصرّف الدم إلى الكبد، لذلك هو معرّض لتركيز مرتفع غير معتاد من الأدوية الممتصة من الأمعاء. كما يستقلب الكبد على نحو واسع معظم الأدوية، وفي معظم الحالات يبدو أن الإصابة الكبدية تبدأ نتيجة تأثير مواد متفاعلة (مستقلبات metabolites) والتي تنتج بمعالجة (استقلاب) الأدوية في الكبد وليس بواسطة الأدوية بحد ذاتها. يمكن لهذه المستقلبات أن ترتبط وتسبب إصابة في مكوّنات حرجة ضمن الخلايا الكبدية وتبدأ سلسلة من الأحداث المتراكمة في الإصابة الكبدية. باختصار، قد ينتج الكبد المركبات التي تسبب الضرر له. تعتبر الإصابة الكبدية بسبب المسكن الشائع الـacetaminophen مثالاً كلاسيكياً تمت مناقشته بشكل أوسع أدناه. بحقيقة الأمر يجب ألا يكون السؤال لماذا تسبب الأدوية إصابة الكبد، لكن لماذا لا تشاهد هذه الإصابة بشكل أكثر تكراراً. من المحتمل أن الجواب يعكس المنظومة المدهشة من الآليات التي تحمي وتصلح وتعيد تجديد الكبد. وإن آليات الحماية هذه من المحتمل أنها تطوّرت منذ زمن بعيد ومكّنت أجدادنا من النجاة من المهدّدات الهائلة في الحياة ما قبل التاريخ، ومن ضمنها الذيفانات النباتية المنتقلة بالغذاء. يعد تفسير آليات الـDILI ذاتي التحساس المستبطنة تحدياً كبيراً لأن معظم التفاعلات ذاتية التحساس الذاتي لا يمكن أن تحدث مرة أخرى في النماذج الحيوانية. بالمقابل يبدو أن التسمم بالـacetaminophen متشابه كثيراً فيما بين البشر والفئران، وأتاحت التجارب على الفئران مجالات لإدراك آليات مهمة في الإصابة الكبدية بسبب الـacetaminophen لدى الإنسان. عند تناول الـacetaminophen يستقلب جزء بسيط منه في الكبد معطياً مستقلباً متفاعلاً هو الـ N-acetyl-p-benzoquinoneimine (NAPQI) والذي يرتبط بسرعة بمركب داخل خلوي متواجد بوفرة يدعى الغلوتاتيون وهو يعمل على نزع سميته. لكن مع تناول كميات مفرطة من الـacetaminophen (نموذجياً > 10 غرامات في لحظة واحدة من الزمن)، يتغلب الإنتاج المفرط من المستقلب المتفاعل على الغلوتاتيون المتوفر ويستنفده. ومع نفاد الغلوتاتيون في الخلايا الكبدية، يترك الـNAPQI حراً للارتباط بالبروتينات داخل خلوية الحرجة، مما قد يؤدي لأذية الخلايا الكبدية والموت. رغم أنه اعتقد سابقاً أن هذه هي الآلية الوحيدة، من الواضح الآن من سلسلة التجارب البارعة في نماذج حيوانية مختلفة أن الجهاز المناعي الخلقي وسبل إرسال الإشارات الخلوية المختلفة تلعب أدواراً مهمة في تحوير سمية الـacetaminophen. مثلاً يؤدي النفاد التجريبي للخلايا القاتلة الطبيعية والحاسمة في المناعة الخلقية إلى انخفاض كبير في سمية الـacetaminophen لدى الفئران. وبشكل مشابه إعاقة إرسال الإشارات بواسطة الإنترفيرون غاما وعامل الانتساخ jun N-terminal kinase (JNK)، يضعف سمية الـacetaminophen بشكل ملحوظ لدى الفئران. تبين هذه التجارب بوضوح أن إصابة الكبد نتيجة التسمم بالـacetaminophen هي أكثر تعقيداً مما كنا ندركه. بالمقارنة بالإصابة الكبدية بالتسمم بالـacetaminophen، المعرفة حول تطور الـDILI ذاتي التحساس هي أقل بكثير، وجزء كبير من هذا هو بسبب التفاعلات التي لا يمكن الإخبار عنها في النماذج الحيوانية. فنحن على علم أن عديد من الأدوية التي تسبب DILI ذاتي التحسس تستقلب كما هو في الـacetaminophen إلى مركبات متفاعلة. وهذه المركبات قد ترتبط مع المكوّنات الخلوية وبالتالي تعطيل وظيفتها وتحريض بدء شلال من الإصابات الكبدية الإضافية بعملها كأهداف للمناعة وتحريض سبل التماوت الخلوي. وبالواقع، يبدو أن موت الخلايا المبرمج (الاستماتة apoptosis) هي الآلية الرئيسية في الإصابة الكبدية من قبل بعض الأدوية على الأقل. ويبدو أن بعض تفاعلات الأدوية ذاتية التحساس هي متواسطة بالمناعة بشكل رئيسي اعتماداً على الملامح السريرية المرافقة عموماً مثل الطفح، وتواجد أضداد مزادة للدواء، والبدء السريع للإصابة الكبدية مع إعادة التعريض بالدواء. بالإضافة لذلك فبعض هذه التفاعلات قد ترافقت بمستضدات الكريات البيض البشرية (أنماط HLA) التي ترافق أيضاً أمراض المناعة الذاتية. بعيداً عن كل ذلك، فإن عديد من العوامل المستبطنة الجينية والبيئية المسؤولة عن الـDILI ذاتي التحساس صعبة الفهم.


تجنّب الـDILI

يوجد عدة استراتيجيات يمكن استعمالها للوقاية من الإصابة الكبدية الشديدة من الأدوية:

  • تثقيف المريض: يجب تحذير المريض الذي يأخذ دواءً يترافق بإصابة كبدية حول الأعراض المرافقة عموماً للإصابة الكبدية الشديدة، ويجب أن يوقف المعالجة مباشرة عند تطوّر هذه الأعراض والتواصل مع الطبيب الواصف. يجب أن يثقف المريض أيضاً فيما يخص التداخلات المحتملة مع الأدوية الأخرى والكحول مع الأدوية محتملة السمية. كما يجب تحذير المريض المصاب بالـDILI الشديد بتجنّب إعادة التعرّض للدواء المتورّط وإن كان ذلك ممكناً يجب ذكر حدوث هذا التفاعل في السجل الطبي على أنه أرجية.
  • تحري وظيفة الكبد: يوصى بالتحري الدوري لاختبارات الكيمياء الحيوية للكبد وخاصة الـALT المصلي مع المعالجة بعديد من الأدوية التي تترافق بإصابة كبدية. لكن عملية مراقبة مستويات ALT المصلية خلال المعالجة من أجل الوقاية الفعالة من الـDILI الشديدة هي قضية خلافية. مثلاً بعض مرضى الفشل الكبدي الحاد بسبب الـtroglitazone (دواء مضاد للسكري سحب من الأسواق في المملكة المتحدة عام 2000) قد تطور لديهم هذه المضاعفة المهددة للحياة رغم إجراء المراقبة الشهرية الموصى بها. بالإضافة إلى أن المراقبة الروتينية للـALT مكلفة مزعجة لكل من المرضى والسريريين؛ لذلك المطاوعة لمثل هذا الترصد هي منخفضة حتى مع الأدوية التي كان لها مسبقاً توصية بالترصّد. بالإضافة لهذه المشكلة، إن أهمية الارتفاع الخفيف في مستويات الـALT المصلية ليست دائماً واضحة، رغم أن هذه الحالة غالباً تسبب قلقاً كبيراً لدى كل من السريريين والمرضى. وبالواقع القلق حول اكتشاف مستويات مرتفعة من ناقلات الأمين غير الطبيعية ولكن غير عرضية قد تؤدي لسحب غير ملائم للدواء من بعض المرضى.
  • التشريعات: من الطرق الأخرى في تقليل مشكلة الـDILI هي عبر التشريعات الفعالة التي تهدف إلى إزالة الأدوية محتملة السمية من الأسواق. خذ على سبيل المثال الأدوية التي تحوي مشاركة acetaminophen – opiate. ما يعادل نصف حالات الفشل الكبدي الحاد في الولايات المتحدة هي بسبب سمية الـacetaminophen. وعديد من هذه الحالات هي بسبب فرط جرعة الـacetaminophen المقصودة لدى المرضى المنتحرين، لكن أشارت دراسة متعددة المراكز في الولايات المتحدة أن ما يصل نسبته لـ50% من المرضى يتناولون بالصدفة جرعة مفرطة من الـacetaminophen من أجل تفريج الألم. وعديد من هؤلاء المرضى تم وصف المشاركات acetaminophen – opiate لهم مثل Vicodin®، وهي مشاركة من الـhydrocodone (من الأفيونات) والـacetaminophen. ومع الوقت عديد من هؤلاء المرضى يصبحون متحمّلين للتأثير المسكّن للمركب الأفيوني ولذلك يتناولون جرعة أكبر من تلك الموصوفة من أجل تسكين آلامهم. وأخيراً بعضهم يستهلكون كمية كبيرة من الـacetaminophen بالخطأ مما يسبب إصابة كبدية وقد ينشأ حتى فشل الكبد. وما يضاعف هذه لمشكلة وجود الـacetaminophen في منتجات الزكام المختلفة. بالنسبة لرأي الكاتب، إن مفهوم مشاركة دواء عالي التسبب بالإدمان (مركب أفيوني) مع ذيفان كبد معتمد على الجرعة (الـacetaminophen) فيمضغوطة واحدة يرفضه المنطق وهو مضاهئ لمزج "الحلوى مع السم". لا يوجد أي سبب، عدى الملاءمة" من جمع هذه الأدوية معاً في حبة واحدة؛ فيمكن أن تؤخذ ضمن مضغوطات منفصلة، مسكن أفيوني (مثل الهيدروكودون) والـacetaminophenـ مع الحصول على ذات التأثير المسكّن. من وجهة نظر الكاتب، يجب عدم وصف المشاركات الحاوية على مركبات أفيونية مع الـacetaminophen للمرضى لعلاج الألم المزمن وجميع المرضى المعالجين بهذه المشاركات يجب أن يحذروا من احتمال حدوث الإصابة الكبدية الشديدة. رغم أن تثقيف المريض والطبيب هو أمر هام، لكن الحل الأكثر فاعلية من المحتمل هو إصدار أمر تشريعي من قبل الـFDA يمنع مشاركة الـacetaminophen مع أدوية أخرى مثل علاجات الزكام، ومن ضمنها أيضاً المشاركة مع الأفيونات. إن مثل هذا التشريع الحاسم قد يساعد في إنقاذ عديد من الأرواح التي تزهق سنوياً في الولايات المتحدة بسبب الجرعة المفرطة غير المقصودة من الـacetaminophen.


أعراض الـDILI

إن عديد من المرضى الذين يعانون من حالة DILI خفيفة هم لا عرضيين ويشخصوا فقط عند إجراء فحوص وظيفة الكبد لأسباب أخرى. وفي واقع الأمر تعد الـDILI سبباً هاماً لنتائج الكيمياء الحيوية الشاذة للكبد. عند ظهور أعراض الـDILI، وغالباً في حالات الـDILI الخلوية الكبدية الأكثر شدة، فهي غالباً تكون مشابهة لالتهاب الكبد الفيروسي وتتضمن التوعّك والقهم والغثيان والإقياء والألم في الربع العلوي الأيمن للبطن واليرقان وبراز عديم الصفراء acholic stools (ذو لون باهت أو غضاري) وبول داكن (بلون الشاي). قد يعاني كذلك مرضى الـDILI بالركود الصفراوي من حكة شديدة. تعد الحمى والطفح السمتان المميزتان لفرط التحسس الذي قد يظهر في الـDILI بسبب بعض الأدوية (مثال: مضادات الاختلاج مثل الـphenytoin، وأدوية السلفا مثل الـsulfamethoxazole-trimethoprim). عوامل اختطار الـDILI في حال معظم الأدوية يكون البالغين غالباً معرضين لاختطار أعلى لتطور إصابة كبدية من الأطفال؛ والاستثناء الجدير بالذكر هو الدواء المضاد للاختلاج الـvalproate، والذي يبدو أنه يسبب إصابة كبدية بشكل أكثر شيوعا عند الأطفال من البالغين. يمكن للنساء كمجموعة أيضاً أن يكن أكثر عرضة للـDILI بسبب الأدوية من الرجال، رغم أن هذا يعكس أيضاً الاستعمال الأكثر تكراراً للأدوية لدى النساء أو حجم أجسادهن الأصغر عموماً. في بعض الأدوية ومن ضمنها الـacetaminophen يبدو أن معاقرة الكحول وسوء التغذية قد تؤهب للإصابة الكبدية. رغم عدم وضوح إن كان المرض الكبدي السابق يؤهب للـDILI مع معظم الأدوية لكن يوجد استثناءات بارزة. مثلاً يبدو أن المرضى المصابين بخمج فيروس نقص المناعة المكتسبة (HIV) والتهاب الكبد C (HCV) هم أكثر اختطاراً للتعرض للإصابة الكبدية بسبب الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية من المرضى المصابين بخمج الـHIV بمفرده. أيضاً قد يصبح مرضى التهاب الكبد المزمن أكثر عرضة للإصابة الكبدية بسبب الدواء المضاد للسل الـisoniazid (INH). بينما المرض الكبدي المستبطن قد لا يؤهب للـDILI في معظم الحالات، لكن التوجه السائد يملي أن المرضى المصابين بمرض كبدي مزمن ويعانون من DILI متراكب شديد سيعانون من محصلات أسوأ من المرضى الذين من جهة أخرى أصحاء. بالإضافة إلى أن وجود خط قاعدي شاذ لاختبارات الكبد قد يجعل من التحري عن الـDILI لدى المريض المصاب بمرض كبدي مزمن مستبطن أكثر تحدياً. لذلك فان الأدوية التي تترافق مع اختطار عالي للإصابة الكبدية يجب أن تستعمل بحذر شديد، إن لم تستعمل بالأصل، لدى المرضى المصابين بمرض كبدي مزمن.

تشخيص الـDILI

إن التوصل لتشخيص الـDILI هو ليس بالأمر السهل غالباً لعدم وجود اختبارات تشخيصية معوّل عليها عموماً. لذلك يجرى تشخيص الـDILI عبر عملية تدعى بتقييم السببية causality assessment، وهي مشابهة كثيراً للتحريات الجنائية، خاصة في حال عدم تواجد شهود على الجريمة. في مثل هذه الحالات يتعلّق الحكم بوقوع التهمة أو البراءة على مقدار الأدلة المجموعة بدقة ولكن غير المباشرة. خلال عملية تقييم السببية، تعتبر عديد من ملامح تفاعلات الدواء ومن ضمنها:

  • هل كان الدواء "بالمكان المناسب والزمن المناسب"؟ حيث أن ظهور الأعراض و العلامات الدالة على الاصابة الكبدية لدى المريض قبل اعطاء الدواء يجعله بريئا من تلك الاصابة.
  • هل الدواء يملك "سجل سابق"؟ أي هل أثبت سابقاً أن الدواء يسبب إصابة كبدية لدى مرضى مشابهين؟
  • هل صفات حدث الـDILI (الجريمة) متفقة مع الأثر المعروف أو "طريقة التأثير modus operandi" للدواء؟ على سبيل المثال الـisoniazid (INH)، هو جواء يستعمل في علاج السل، يسبب على نحو مميز بإصابة خلوية كبدية مع ارتفاع ناقلات الأمين المصلية واليرقان في الحالات الشديدة. بينما الفسفاتاز القلوية، واصمة في الركود الصفراوي، ترتفع بشكل ضئيل نموذجياً. في حالة مضادات الاختلاج مثل الـphenytoin (Dilantin®) قد يسبب إصابة كبدية كجزء من تفاعل فرط تحسس لذلك الطفح والحمى هما ملامح سائدة في هذه الحالة. السمة المميزة للـamoxicillin-clavulinic acid (Augmentin®)، والذي يسبب إصابة كبدية بطراز ركود صفراوي أو طراز مختلط مع يرقان، هو تسببه نموذجياً بهذا التأثير فقط بعد إيقاف الدواء، وغالباً بعد 2 – 3 أسابيع. أخيراً يتميّز الـnitrofurantoin (Macrobid®) بتسببه بالتهاب كبد مزمن بعد أسابيع، أو أشهر أو حتى سنوات عديدة من المعالجة، وغالباً يترافق مع أضداد النوى antinuclear antibodies (ANA) مصلية. إن مثل هذه الملامح المميزة من الممكن أن تفيد في تشخيص الـDILI، رغم أن معظم الأدوية لا تملك مثل هذه الملامح.
  • هل يوجد تفسيرات أخرى للإصابة الكبدية؟ من الحاسم في تشخيص الـDILI استبعاد المسببات المحتملة الأخرى (تدعى بالمنافسة competing) للإصابة الكبدية الشديدة، مثل التهاب الكبد الفيروسي، وانسداد القناة الصفراوية، والإقفار الكبدي hepatic ischemia (مثلاً بشكل تالي للصدمة)، والتهاب كبد بالمناعة الذاتية، وغيرها من الأسباب. وبشكل رئيسي، الـDILI هي تشخيص بالاستبعاد. سيتم تفصيل هذه النقطة أدناه.
  • هل المساق السريري للتفاعل متفق مع الـDILI؟ معظم حالات الإصابة الكبدية المحدثة بالدواء وخاصة عندما لا تكون شديدة جداً تشفى بسرعة نسبياً عند إيقاف الدواء. تدعى درجة سرعة التحسّن في اختبارات الكبد "بإزالة التعرّض de-challenge". وغالباً إن أعيد إدخال الدواء ستعود الإصابة الكبدية وأحياناً بسرعة أكبر من المشاهد في التعرّض الأولي؛ لكن غالباً لا يعد تعريض المريض للدواء مرة أخرى منصوحاً به كاختبار تشخيصي لأن الإصابة الكبدية التي تحدث في إعادة التعرّض قد تكون في بعض الأحيان شديدة وحتى مهددة للحياة. وبالواقع تعد إعادة تعريض المريض للدواء المشتبه مضاهئ لإطلاق المجرم المشتبه من الحجز للتأكد إن كان سيرتكب الجريمة مرة أخرى.

تواجه السريري نموذجياً المهمة المرعبة بموازنة هذه الأدلة الظرفية القليلة لتشخيص الـDILI. بالإضافة لذلك لا يمكن لهذا التشخيص أن يكون قطعياً لأننا لا نملك اختبارات تشخيصية نوعية، مع استثناءات قليلة جداً، وأن التشخيص بالواقع هو بالاستبعاد. يجرى الاختبار المصلي serological testing لاستبعاد التهاب الكبد الفيروسي A و B و C وأحياناً E (نادر جداً في الولايات المتحدة) لدى معظم المرضى، وكذلك الواصمات المصلية للمناعة الذاتية (مثل أضداد النوى (ANA)، وأضداد العضلات الملس smooth muscle antibody (AMA)، والغلوبولينات غاما). والاختبارات الأخرى تستبعد المشاكل الاستقلابية والجينية، ومن ضمنها فرط حمل الحديد والنحاس (داء ترسب الأصبغة الدموية hemochromatosis وداء ويلسن على التوالي)، وكذلك الاضطرابات الأخرى (مثل عوز alpha-1 antitrypsin، والداء البطني). كما أن في بعض الحالات يجب أخذ القصة المرضية بدقة لاستبعاد حالة هبوط الضغط الشديد السابق للإصابة الكبدية والذي يشير لحالة "إصابة الكبد المحدثة بالصدمة shock liver" كتشخيص محتمل إن كانت اختبارات الكبد تشير لهذه الاحتمالية. يجب أيضاً استبعاد حالة معاقرة الكحول باستجواب المريض بدقة. الكبد الدهنية fatty liver (التهاب الكبد الدهني غير الكحولي non-alcoholic steatohepatitis (NASH)) هي سبب شائع للانخفاض الشاذ لمستويات اختبارات الكبد والتي يمكن أن تقيّم أيضاً بتصوير الكبد، لكن قد نحتاج لخزعة كبدية للتوصل لتشخيص نهائي. أخيراً، سيتطلب معظم المرضى لبعض أشكال تصوير الكبد إما بالأمواج فوق الصوتية، أو التصوير المقطعي المحوسب CT scan، أو في حال الاشتباه بانسداد صفراوي من الممكن إجراء اختبار يعرف بتصوير البنكرياس والأقنية الصفراوية بالتنظير الباطني بالطريق الراجع endoscopic retrograde cholangiopancreatography (ERCR). تعد أيضاً خزعة الكبد في بعض الأحيان ذات فائدة كبيرة في تشخيص الإصابة الكبدية المحدثة بالأدوية، لكنها نادراً ما تعد تشخيصية لأن الـDILI تحت المجهر قد يحاكي عملياً الطيف الواسع لكل سبب من أسباب الإصابة الكبدية ومن ضمنها التهاب الكبد الفيروسي وبالمناعة الذاتية، وأمراض السبيل الصفراوي، وفي بعض الحالات حتى معاقرة الكحول. تحمل خزعة الكبد أيضاً اختطاراً صغيراً ولكن مهماً بحدوث نزيف واختلاطات أخرى. إن حالات الـDILI المحتملة لدى المرضى المصابين بمرض كبدي مستبطن أو الذين يتناولون أدوية متعددة هي متعبة بشكل خاص. فتشخيص الـDILI في مثل هذه الحالات تقريباً غير نهائي دائماً.

الإنذار في حالة الـDILI

رغم أن حالات الـDILI الخفيفة وعديمة الأعراض غالباً لا تسبب مشاكل كبيرة في الكبد لكنها قد تسبب قلقاً معقولاً لدى المريض. وبالواقع في كثير من هذه الحالات تتحسن اختبارات الكبد على مدى الزمن رغم الاستعمال المستمر للدواء بسبب عملية غير مفهومة بالكامل تدعى "بالتلاؤم adaptation" والتي من المحتمل أنها تعكس استجابة الكبد الصامدة للإصابة. يعتقد أن الحالات النادرة نسبياً من الـDILI ذاتية التحساس الأكثر شدة قد تعكس فشل كبد المريض المتأثر في القيام بهذه العملية استجابة للإصابة. منذ ما يقارب عقدين من الزمن، لاحظ Dr. Hyman Zimmerman، رائد في أبحاث الـDILI، أن مستويات الـALT المصلية المرتفعة (> 3 ULN [الحد الأعلى الطبيعي]) المرافقة لليرقان بسبب السمية الدوائية تسبب وفيات معتبرة بنسبة تتراوح بين 10 – 50%، أعلى بـ10 أضعاف حالات التهاب الكبد اليرقاني على الأقل). دعيت هذه الملاحظة الهامة باسم "قانون Hy" “Hy’s law” تكريماً لـDr. Zimmerman واعتبر من قبل الوكالات مثل الـFDA كعلامة للـDILI الشديد. تترافق زيادة البيليروبين المصلية، والتي تعكس اعتلال في قدرة الكبد على إفراغ البيليروبين من الدم إلى الصفراء، بسوء في الإنذار. وكذلك الزيادة في زمن البروثرومبين (أو نسبته المعدلة العالمية [INR]) وهبوط ألبومين المصل تعكس حدوث اعتلال شديد في وظيفة تصنيع البروتين الكبدية وهي أيضاً واصمات لمحصلة سيئة. أخيراً تعد الـDILI شديدة بما يكفي لأن تسبب اعتلالاً كبدياً دماغياً hepatic encephalopathy، وهو يعد دليلاً لفشل الكبد الحاد، وذلك يرافقه إنذار أليم واحتمالية تقدر بـ70 – 80% بالموت في حال عدم إجراء زرع كبد. في حالات نادرة قد تؤدي نوبة من الـDILI الحادة إلى تطور مرض كبدي مزمن خامد. وبشكل مشابه يوجد أدوية نادرة قد ترافق استعمالها بتندّب كبدي شديد؛ مثلاً الـmethotrexate الذي يستعمل في علاج التهاب المفاصل الرثياني والصدفية قد يسبب تشمّع كبدي لدى ندرة من المرضى وخاصة مع الاستعمال طويل الأمد للدواء.

علاج الـDILI

إن عماد معالجة الـDILI هو الإيقاف سريع للدواء المتورّط وتجنّب إعادة التعرض له. نموذجياً يعد هذا الإجراء كافياً في الإصابة الكبدية المحدثة بالدواء الخفيفة إلى المتوسطة ويؤدي إلى شفاء سريع وتام نسبياً لجميع أعراض وعلامات الإصابة الكبدية، لكن الإصابة الكبدية بالركود الصفراوي قد تتأخر في الشفاء حيث قد يحتاج الشفاء التام عدة أسابيع وحتى أشهر. في بعض حالات الـDILI تتوفر علاجات نوعية. الإعطاء الفوري للـn-acetylcysteine (Mucomyst®) في التسمم بالـacetaminophen هو هام للغاية وقد يكون منقذا للحياة. وبعض الدراسات تشير إلى استعمال الـL-carnitine بالحقن الوريدي قد يكون فعالاً تخفيف السمية المرافقة لمضاد الاختلاج الـvalproate. كما يوصى باستعمال الـcholestyramine (Questran) في السمية الشديدة بالـleflunomide (Arava®) غالباً لأن هذا الدواء يتميّز بدوران مطوّل في الكبد مما يساعد في ارتباطه بفاعلية وإطراحه من قبل الـcholestyramine. في الإصابة الكبدية بالركود الصفراوي المحدثة بالدواء، يعد الـursodeoxycholic acid (Actigal®) آمناً وقد يعجل شفاء اليرقان والحكة، رغم أن ذلك لم يدرس جيداً. كذلك تستعمل العوامل المضادة للحكة (مثل الـcholestyramine) في هذه الحالة لتخفيف الحكة. يحيط بعض الجدل حول دور المعالجة بالكورتيكوستيرويدات في معالجة الإصابة الكبدية المحدثة بالدواء. تعد المعالجة بالكورتيكوسترويدات في معظم الـDILI الناتجة بمعظم الأدوية غير فعّالة، وتحمل بعض الخطر. تتضمن التأثيرات الجانبية المحتملة للكورتيكوسترويدات عدم تحمّل الغلوكوز (داء السكري) والأخماج، ومع الاستعمال طويل الأمد حدوث قلّة العظم osteopenia بشكل متسارع، والساد cataracts وترقق الجلد. لكن قد تستعمل جرعات قصيرة الأمد من السترويدات في الـDILI وخاصة في حال وجود ملامح لفرط التحسس مثل الحكة والحمى وكثرة الحمضات. عندما تكون الإصابة الخلوية الكبدية أكثر شدة، قد يتطور فشل الكبد الحاد، والعلاج الفعال الوحيد قد يكون هو زرع الكبد. بسبب ذلك يجب إحالة مرضى الـDILI الشديدة مباشرة إلى اختصاصي ونموذجياً اختصاصي كبد أو اختصاصي جهاز عظمي لمزيد من التقييم والعناية. لماذا يسمح بدخول الأدوية محتملة السمية الكبدية إلى الأسواق؟ إن العثور على إصابة كبدية غير متوقعة خلال التجارب قبل السريرية غالباً يؤدي لإنهاء التجارب على كثير من الأدوية في مرحلة مبكرة في تطوير الدواء؛ والأدوية التي تمتلك سمية كبدية داخلية المنشأ ومعتمدة على الجرعة هي الأكثر احتمالاً أن تحدد بهذا الأسلوب. لا تكشف تلك التجارب لسوء الحظ جميع العوامل الضارة المحتملة وخاصة تلك التي تسبب الإصابة الكبدية بأسلوب التحساس الذاتي. فقد تدخل هذه العوامل التجارب السريرية وأيضاً قد تمضي دون كشفها على أنها محتملة السمية. يوجد عدة أسباب لحدوث ذلك: أولاً الـDILI بالتحساس الذاتي نادرة جداً؛ حيث في معظم الأدوية تقدر نسبة الحدوث المبلّغ عنه بين 1 من 10000 و 1 من 100000 مريض متعرّض للدواء، لكن هذا الرقم صعب التحديد بدقة لوجود حالات عدم تبليغ. معظم التجارب السريرية والتي هي محدودة ببضعة آلاف من المتطوعين، هي ببساطة ليست كبيرة كفاية لكشف هذه الأحداث النادرة جداً. ولسوء الحظ، الدراسات الأكبر التي قد تكشف هذه الحالات النادرة هي أكثر كلفة وتحتاج فترة أطول لإتمامها، وكلاهما عائق مالي قوي في الصناعة الصيدلانية. نتيجة لذلك، تبدأ حالات ظهور الـDILI الشديدة غالباً فقط عند تسويق الدواء وبعد تعرّض آلاف من المرضى لهذا الدواء. من أمثلة ذلك هي حالة الـtroglitazone (Rezulin®)، الدواء الأول في صنف أدوية السكري الحديثة التي تدعى بناهضات الـperoxisome proliferator-activated receptor-gamma. في التجارب السريرية على الـtroglitazone كانت حالات ارتفاع الـALT عن ثلاثة أضعاف الحد الأعلى الطبيعي لدى المرضى المعالجين بهذا الدواء هي 1.8% مقابل 0.6% في مجموعة المعالجين بالدواء الغفل placebo. وظهر اليرقان الواضح لدى شخصين في مجموعة الـtroglitazone لكن لم تلاحظ نوبات من الفشل الكبدي الحاد خلال التجارب السريرية على هذا الدواء. لكن بعد المصادقة عليه عولج بهذا الدواء مليونان من المرضى، وتم الإبلاغ عن 100 حالة تقريباً (1 من 20000 مريض) من الفشل الكبدي الحاد إلى الـFDA والتي سحبت الدواء من السوق الأمريكية في شهر مارس/ آذار من عام 2000. لا تفلت جميع الأدوية محتملة السمية الكبدية من التجارب السريرية دون كشفها. مثلاً لم تصادق الـFDA حديثاً على الـximelagatran (Exanta®) والذي اقترح بأن يصبح بديلاً مناسباً وفعالاً ومن المفترض آمناً للـwarfarin (Coumadin®) المضاد للتخثر الفموي في علاج خثرات الأوردة العميقة، والرجفان الأذيني، والحالات الأخرى. ترافق الدواء مع مستويات ALT مصلية أعلى من ثلاثة أضعاف الحد الأعلى الطبيعي لدى 8% تقريباً من المرضى المعالجين في الدراسات السريرية. والأكثر أهمية لوحظت حالات عديدة من الفشل الكبدي الحاد في جمهرة التجربة السريرية المكونة من 7000 مريض. نتيجة لذلك لم يسوّق الدواء ومما أحبط بشدة الشركة الصيدلانية التي استثمرت وقتاً وموارداً كبيرة في تطوير هذا الدواء الذي كان من المفترض أن يكون عالي الإقبال. من جهة أخرى، يوجد أدوية من المعروف جيداً أنها تسبب إصابة تحساس ذاتي لا تزال في الأسواق لأسباب عملية. يعد الـisoniazid (INH) أحد دعائم علاج السل لكن يرافقه إصابة خليوية كبدية معتبرة لدى 0.3 - 4.6% من المرضى البالغين المعالجين به، ويترافق بازدياد في الخطورة بالتقدّم بالعمر. رغم هذه الخطورة، من المحتمل أن الـINH لا يزال في الأسواق لأنه لا يوجد أدوية أخرى فعّالة وآمنة تحل مكانه في معالجة السل، والذي يعد تهديداً رئيسياً للصحة العمومية.

مستقبل الـDILI

من الواضح أننا على مسيرة طويلة من فهم كيفية تطوّر الـDILI بالتحساس الذاتي. والسؤال الحاسم هو: ما هي سمات الفرد – سواء كانت جينية أو بيئية – التي تزيد من اختطار الـDILI بالتحساس الذاتي؟ إن أمكننا تحديد هذه السمات فمن الممكن لنا تجنّب وصف أدوية معيّنة للمرضى الذين حدّدوا أنهم بخطر كبير لتطوير الـDILI. وإن مثل هذا الاختبار، إن كان متيناً ودقيقاً، قد يسمح أيضاً باستعمال الأدوية التي قد تسحب من الأسواق. وفي جهد لمواجهة هذه المشكلة الهامة الصعبة، أنشأ المعهد الوطني لطب السكري والأمراض الهضمية والكلوية National Institutes of Diabetes and Digestive and Kidney Diseases (NIDDK) عام 2003 شبكة الإصابة الكبدية المحدثة بالدواء Drug-Induced Liver Injury Network (DILIN). تتكوّن الـDILIN من 5 مراكز سريرية – جامعة ميتشيغان، وجامعة إنديانا، وجامعة كونيكيتيت، وجامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، وجامعة كاليفونيا الشمالية – وكذلك مركز جمع بيانات في جامعة duke. الهدف الرئيسي لهذه الشبكة هو تطوير فهمنا للأدوية التي تسبب إصابة خلوية كبدية شديدة بالتحساس الذاتي والإصابة الكبدية بالركود الصفراوي. حالياً لقلة أو انعدام النماذج قبل السريرية المتينة والدقيقة للإصابة الكبدية المحدثة بالدواء بالتحساس الذاتي، تقوم الـDILIN بتطوير سجل شامل للبيانات السريرية المفصلة وكذلك المصول والبلازما والبول والـDNA من المرضى الذين عانوا من DILI بالتحساس الذاتي غير كاذب ويمكن للباحثين المهتمين بالـDILI حول العالم أن يستفيدوا منه. ونأمل أن يستعمل سجل الـDILIN الذي يحوي حالياً عدة مئات من حالات الـDILI في الدراسات الدوائية الجينومية pharmacogenomics وغيرها للوصول لفهم أفضل للعوامل الجينية والبيئية التي تسهم في تطوّر الـDILI وأيضاً للتحديد واصمات حيوية حديثة تترافق مع هذه المشكلة الهامة.


المصادر

Davidson's principle and practice of medicine

Harrison's principle of internal medicine.

Current medical diagnosis and treatment.

Drug-Induced Liver Injury Network (DILIN): https://dilin.dcri.duke.edu/

National Library of Medicine Hepatotoxicity URL

Food and Drug Administration, Center for Drug Evaluation and Research URL

Hepatitis - Wikipedia, the free encyclopedia.mht


Liver Diseases MedlinePlus.mht

Drug-Induced Liver Disease Causes, Symptoms, Diagnosis, and Treatment by MedicineNet_com.mht

Drug-Induced Hepatitis - مقالة للمؤلّف Tim Davern.mht